سيد قطب

2704

في ظلال القرآن

إن هدى اللّه منهج حياة صحيحة . حياة واقعة في هذه الأرض . وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية . وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة ؛ ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة . إنما هو يربطهما معا برباط واحد : صلاح القلب وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض . ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة . فالدنيا مزرعة الآخرة ، وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها . بشرط اتباع هدى اللّه . والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه . وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى اللّه إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف ؛ بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة . أمانة الخلافة في الأرض وتصريف الحياة . وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة اللّه والسير على هداه . يشفقون من عداوة أعداء اللّه ومكرهم ، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم ، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية ! وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا » . فلما اتبعت هدى اللّه سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان . وقد رد اللّه عليهم في وقتها بما يكذب هذا العذر الموهوم . فمن الذي وهبهم الأمن ؟ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام ؟ ومن الذي جعل القلوب تهوى إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعا ؟ تتجمع في الحرم من كل أرض ، وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة : « أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ؟ » . . فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى اللّه ، واللّه هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم ؟ أفمن أمنهم وهم عصاة ، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة ؟ ! « وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ » . . لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة . ولا يعلمون أن مرد الأمر كله للّه . فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقا ، وأن يأمنوا التخطف حقا ، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها : « وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ » . . إن بطر النعمة ، وعدم الشكر عليها ، هو سبب هلاك القرى . وقد أوتوا من نعمة اللّه ذلك الحرم الآمن ؛ فليحذروا إذن أن يبطروا ، وألا يشكروا ، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها ، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية . . « لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا » . وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها ، وتروى قصة البطر بالنعمة ؛ وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحدا ، ولم يرثها بعدهم أحد « وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ » . على أن اللّه لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولا . فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده : « وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ » . . وحكمة إرسال الرسول في أم القرى - أي كبراها أو عاصمتها - أن تكون مركزا تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد . وقد أرسل النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - في مكة أم القرى العربية . فهو